ads header


علي عيسو - رئيس تحرير ايزدينا


الألوان الموجودة داخل موزاييك الإدارة الذاتية للشمال السوري كانت العنوان الأبرز لتكامل مجتمعي بين مختلف الأعراق والهويات الدينية والطائفية، وأدت بتجمعها الذاتي لخلق بيئة مستقرة إداريًا انعكست حتى على التشكيلات العسكرية للمناطق الكردية، فتوحدت هذه القوى تحت راية واحدة، قوات سوريا الديمقراطية، وقاتل تحتها جموع المختلفين دينيًا وعرقيًا وكأنهم بمنأى عما يدور في المناطق السورية التي أنهكتها الصراع الطائفي، فحين كانت المعارضة السياسية والعسكرية تتداول مصطلحات طائفية في حربها مع النظام، كانت القوات الكردية تقترب أكثر من الأممية وتؤسس جيش سوريا الديمقراطي.

راهنت المعارضة العسكرية على هذه القوات، وسعت إلى إفشالها عبر استفزاز قواتها في مناطق الشمال السوري، كما راهنت القوى السياسية على قدرة الكرد بتنظيم أنفسهم سياسيًا وبناء التحالفات مع قوى المعارضة، حيث أوصد الائتلاف أبوابه أمامها، رغبة من تركية بإفشال المشروع الكردي "الأممي" أو في تقدير أقل إخضاع الكرد لسيطرة النظام، وبالتالي العودة إلى الصراع الذي يكون فيه طرفان فقط لا ثالث لهما، الطرف الاستبدادي المتمثل بآل الأسد وبين الطرف الإسلاموي المتمثل بالإخوان المسلمين ومناصريه.

هكذا أضرت الإدارة الكردية نفسها عبر تحقيقها نجاحًا لم يكن له مثيل في المحيط المجاور، فهي البديل الأنجح لمعارضة فشلت في إدارة أصغر قرية محررة، وهي أيضًا البديل الأنسب لنظام فشل لعقود من الزمن أن يجمع المكونات الدينية والعرقية داخل قبة برلمانية أو حكومية أو عسكرية موحدة.

كما أن القوى السياسية الكردية التي دعت إلى تشكيل الفيدرالية نجحت في التخلي عن مشروعها القومي لصالح الهوية الوطنية السورية وبالتالي خلق مجالس وإدارات محلية واسعة دون العودة إلى حكومة مركزية ودون احتكار مبالغ به، وبالتالي أسست كيانًا مستقرًا يحيط به التطرف والتشدد من جهة، والاستبداد من جهة أخرى دون التأثر بكليهما، وهذا التخلي لم نجده في القوات العسكرية المعارضة التي لا تزال إلى اليوم تتخذ من راياتها ذات الإيحاءات الدينية كمرجعية لهويتها دون الالتزام براية الاستقلال وحدها، وذات الحال ينطبق على خطاب المعارضة السياسية ذات الطابع الإسلاموي دون أن تراعي التعددية الدينية في سوريا وحتى الحساسية الطائفية.

نجاح التجربة الفيدرالية التي أبهر الطرفان المعاديان -النظام والمعارضة- أضعفهما في الوقت نفسه، حيث أظهرت الإدارة الناجحة للمجتمع الدولي بأنها تفتقر فقط للشرعية الدولية كي تنطلق في إعادة الإعمار وبناء الهوية السورية الحقيقية، وفي الوقت ذاته الديمقراطية التي يحتكر بنودها وبرامجها الغطاء السياسي للقوى العسكرية المعارضة، تلاشت وسقط عنها القناع بعد الديمقراطية الحقيقية للإدارة الذاتية في الشمال السوري والتي أظهرت للسوريين زيف ادعاء الائتلاف وغيره بديمقراطية غير حقيقية تتخذ من المحاكم الشرعية كمصدر وحيد للقضاء وحتى التشريع.

وعليه كان لا بد من معارك ضد المناطق الكردية تخوضها القوى التي فشلت حتى في إدارة المناطق الآمنة في جرابلس والباب، حيث المدينتان تغيرت ملامحهما السورية وتحولتا إلى مدن تركية بأعلامها وشعاراتها وولائها، فكانت وجهة أمراء الحرب لهاتين المدينتين نحو عفرين التي حافظت على الهوية السورية الحقيقية وآمنت بالمواطنة متخلية عن الحلم الكردي ببناء دولة كردستان الكبرى.

وعلى الرغم من أن الكرد في سوريا لم يدركوا معنى المواطنة لعدم التزام الدستور السوري بمعاييرها التي تُلزم الدولة بالتخلي عن تحديد الهوية القومية لسورية، إلا أنهم، أي الكرد وحلفائهم، كانوا مثالًا لمواطنة حقيقية جاءت في صياغة العقد الاجتماعي لفيدرالية الشمال السوري، حيث لم يحدد دستور الشمال السوري هوية الحاكم الدينية أو العرقية كما أنه لم يتخذ الشرائع الدينية كمصدر للتشريع على غرار الدساتير السورية والمسودات التي صدرت عن المعارضة السورية حيث كلاهما اتخذا الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع وهو مخالف لمبادئ المواطنة التي تقوم على مبدأ التساوي بين الجميع دون أن تكون هناك امتيازات لأفراد معينين، بمعنى أدق أن لا تفرض مرجعية ديانة الإخوة المسلمين على المجموعات الدينية الأخرى غير المسلمة كمصدر تشريعي للبلاد.

تُختصر الحالة السورية بالصراع بين قوى استبدادية من جهة، وقوى أصولية ترى نفسها وصية على الديمقراطية والثورة من جهة أخرى، وقوى ثالثة نجحت في إدارة كل المتناقضات السورية إلا أنها مُحاربة من القوى السابقة مجتمعةً، وبالتالي ستكون عفرين هي رهان على ملامح سوريا المستقبل ما بين السواد القاتم في حال سقطت عفرين بيد النظام، أو السواد المتشدد في حال سقطت بيد المعارضة، أو تعود إلى ألوانها المكونة لفسيفساء التنوع السوري في حال انتصرت على العدوان التركي وفلوله.

أضر الكرد أنفسهم حين أظهروا نجاحهم في إدارة مناطقهم وضبطها أمنيًا وإداريًا وقانونيًا، حيث الفاتورة الأبهظ لهذا الضرر تتجلى بالعدوان التركي على عفرين بمساعدة سوريين أضلوا طريق دمشق وفقدوا بوصلة الثورة السورية.
التسميات:

إرسال تعليق

ezdina

{picture#https://plus.google.com/u/0/104569944093799629657} YOUR_PROFILE_DESCRIPTION {facebook#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {twitter#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {google#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {pinterest#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {youtube#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {instagram#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL}

Image 1 Title

Image 1 Title

Image 2 Title

Image 2 Title

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.