ads header

الكاتب إبراهيم سمو / ايزدينا

يشكل العدوان التركي على عفرين، في القانونين الدولي والسوري، احتلالًا وخرقًا صارخًا لمبدأ السيادة الوطنية للدولة السورية، وتوصف الممارسات الغاصبة في الحقوق الدولية، بالإبادة الديمغرافية والثقافية والإنسانية، وترقى في وحشيتها ودرجة فظاعتها إلى مستوى "جرائم حرب"، من التي حددتها "محكمة نورنبرغ "، التي اختصت بدورها يومًا بمحاكمة النازيين بالقول: "إنها تلك الجرائم والانتهاكات التي تنتهك حرمة قوانين الحرب المشروعة، والتي تتضمن عملية قتل العزل والمدنيين أو إهانتهم أو قتل الأسرى أو الرهائن أو أي تدمير ليس له داع أو ليس ضروري"، وتندرج في إطار "جريمة ضد الإنسانية"، التي بينتها المادة (7)، من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية بـ: "أنها الأفعال اللاإنسانية الجسيمة والاضطهادات التي تقع حصرًا على إنسان أو مجموعات إنسانية لأسباب سياسية أو عرقية أو القومية أو الدينية أو أثنية أو ثقافية أو متعلقة بنوع الجنس "ذكرا أو أنثى" متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم". 

ولا يخفى أن المقاصد التركية "الخاصة"، التي تجلت من وراء هذا العدوان الفاتك، وزادت على ملاحقة "الوحدات الكردية الأوجلانية"؛ حسب الزعم التركي، اقترنت منذ بداية أعمال العدوان، على أرض الواقع، بعنف إبادي مستفحل، وخلّفت مجازر بحق المدنيين العزل؛ من الأثنية الكردية، وأجبرت السكان الآمنين إلى النزوح، بنية تغيير الديمغرافية في عفرين وسواها من الجغرافية السورية، ذات الكثافة الكردية، عبر ممارسة التطهير العرقي الممنهج، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وعدم مراعاة حقوق الأسرى، وهدم العمران والمعالم الحضارية والآثار، التي تدلل على أصحابها الأصليين، وفرض الحصار والتجويع، وإكراه سكان القرى والنواحي، على التشريد القسري نحو "عفرين -المدينة" واستهدافهم، وعدم التواني عن قصف المرافق العامة، والبنى التحتية بالطيران والأسلحة الثقيلة، ورشق المدنيين بأسلحة وصفها مراقبون بأنها غير تقليدية، حتى تمكنت الدولة التركية أخيرًا، من احتلال أرض عفرين السورية، مصطحبة معها "وحدات إسلامية"؛ تطلق على نفسها "الجيش الحر"، بقصد ضرب المكونات السورية؛ بعضها ببعض، وإشاعة الفتنة.

ومن الأعمال التي دلت، على "الحقد التركي الدفين"، بعد احتلال عفرين المدينة، ومن شأنها خلق البغضاء بين مكونات تلك المنطقة، إقدام بعض الفصائل الإسلامية السورية، معززين بدبابات تركية على اقتلاع نصب "كاوا الحداد"، الذي يمثل "دلالة خاصة" في ذاكرة الكردي؛ أيا كان اتجاهه الحزبي أو السياسي، ومشربه الثقافي، وتفجير المراقد والمزارات "الإيزيدية"، وإهانة العلم الكردي، وسواه من علامات ذات معان، رمزية فارقة في الذهنية الكردية.

واللافت أن هذا الاحتلال التركي، غير المحق والإبادي، تم على الأرض والشعب السوريين وسط: 
- سكوت رهيب من الدولة السورية، التي يؤكد دستورها النافذ، في مادته "الأولى / فقرة 1" أن سورية: ".. دولة ...، ذات سيادة تامة، غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها"، وتقر المادة الدستورية "التاسعة" : "يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده، باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية "، وتومئ "المادة الحادية عشرة"، إلى مسؤولية الجيش السوري الوجوبية، في الدفاع عن الأراضي السورية، وسلامتها بالقول: "الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب وحماية أهدافه وأمنه الوطني".

- وتجاهل، بل تنصل أممي ودولي فظيعين، من التزاماتها القانونية والأخلاقية بل الإنسانية، بخاصة أن تركية عضو في حلف الناتو، ومعاهدة هذا الحلف تؤكد صراحة في المادة الأولى، "على منع الدول الأعضاء من استخدام القوة، بما يتعارض مع نصوص مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، حيث يتم حل أي نزاع بطريقة سلمية، دون اللجوء إلى القوة أو التهديد"، فضلًا عن ذلك فإن:

 أ ـ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، لاسيما المادة 30 منه، تدلل صراحة على هذا "التخاذل الأممي"، وتنص: " ليس في هذا الإعلان أيُّ نصٍّ يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أيَّة دولة أو جماعة، أو أيِّ فرد، أيَّ حقٍّ في القيام بأيِّ نشاط أو بأيِّ فعل يهدف إلى هدم أيٍّ من الحقوق والحرِّيات المنصوص عليها فيه".

ب ـ ثم أن المادة 34 من ميثاق الأمم المتحدة / الفصل السادس، تبيح التدخل الأممي، وتفصّل: "لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعًا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي" وتعزز المادة 39 من الميثاق، الفصل السابع، الدور الأممي بالقول:" يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه "ولبيان محتوى المادة 42 فإنها تصرح: " إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.....". 

وهنا قد ينتاب، أحدنا سندًا على ما قدم السؤال: لمَ وكيف لا يرى مجلس الأمن، وكذلك "النظام السوري"، ما اقترفه الاحتلال التركي وما يزال، في عفرين من جرائم حرب وكسر سيادة؛ بمعنى: لِمَ يتخلف النظام السوري، وكذلك مجلس الأمن الدولي، عن الواجب المرسوم في النصوص القانونية، لدى كل منهما ؟!.

وفي الجواب:
إن النظام السوري تعامى، وفق مراقبين، لأمرين:
الأول، ذاتي؛ ويتمثل في أن الكرد، يمثلون في "الذهنية القوموية"، التي ترعرع عليها النظام، إسرائيل، وأن تبلور أي "كيان كردي"، محتمل في سورية، سينزل وقعَ "الكيان الإسرائيلي"، على العقل الباطن للنظام، وربما أدهى.

والثاني، دولي؛ يوضحه دخول النظام في أحلاف دولية مركبة، مع كل من روسيا وإيران، اللتين ترتبطان مع تركية بمعاهدات، ومواثيق ومنافع متبادلة، تكبح النظام، بفرض وجود رغبة، في مواجهة هذا التجاوز التركي، على سيادة أرضه وشعبه، ناهيك عن عدم استبعاد، أن يكون النظام عينه، داخلًا في "تواطؤات"، من وراء الكواليس مع تركيا.

أما الموقف الدولي والأممي، فتأخر عن التزاماته ودوره المنتظر، لكونه يقوم أساسا على "الحوكمة"، و"الهيكلية الاحتكارية"، وتسخير "السلطة الدولية"، لمنفعة "الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي"، لذا فإن مقاربة تلك الدول، لقضايا الشعوب في العالم، لن تكون عادلة وموضوعية، بل مؤطرة بـ "النفعية البراغماتية"، والاعتباطية المفتقدة إلى المعايير الحقوقية الإنسانية والأخلاقية، والواضح، هنا، أن تركيا، ولو كانت مثقلة بالإرهاب، أكثر دسمًا من الكرد بالنسبة لكليهما؛ "النظام" و"الدول العظمى" في العالم، ولعل سكوت النظام من جهة، وتصريحات بعض المسؤولين، في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، بـ "تفهم الموقف التركي بالدفاع عن أمنها القومي"، من جهة أخرى، يشكلان قرينة دالة ،على"منافع إقليمية /دولية مشتركة"، لها أن تواجه أو تعرقل أي مشروع كردي.

لكن هل يعلم "النظام"، أن "تراكماته المزمنة"، وتجبّره، وانفراده في التحكم بمصير البلاد والعباد، على مدى عقود طويلة، هي التي دفعت إلى هذه "الفوضى الخلاقة"، و"الفتنة المدمرة"، حتى تحركت بدورها "هويات قاتلة "، وأخرى "قتيلة" في سورية، وأن عدم اكتراثه باستباحة واغتصاب عفرين، قد يلحق هذا الجزء السوري، كذلك حال "اسكندرونة" و"كيليكية"، بالدولة التركية، فهل يعتبر النظام، ويتصدى لـ "العدوان التركي"على عفرين، التي يراد لها الإلحاق والاقتطاع، أم أن في الأكمة ما وراءها.

وهل تدرك الولايات المتحدة وبريطانيا، وروسيا وسواها، أن ابتعادها عن الشفافية، والمسؤولية والمساءلة في أدائها، واعتمادها ازدواجية المعايير، وركضها خلف المصالح، قد يهدد وجودها وأمنها، عبر ارتداد التطرف إلى داخلها، ويصعد من ثم اليمين المتطرف، الذي انتعش في مجتمعاتها أو مجتمعات قريبة، أية كانت الأكمات، والكواليس، وما بينهما من دسائس كثيرة على سورية، ومكوناتها ومستقبلها.

السؤال: هل سقطت عفرين حقًا، أم أنها ستنهض كطائر الفينيق من جديد ؟!.


مقالات الرأي المنشورة هنا تعبر تحديدًا عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع ايزدينا

إرسال تعليق

ezdina

{picture#https://plus.google.com/u/0/104569944093799629657} YOUR_PROFILE_DESCRIPTION {facebook#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {twitter#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {google#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {pinterest#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {youtube#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {instagram#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL}

Image 1 Title

Image 1 Title

Image 2 Title

Image 2 Title

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.