ads header

علي عيسو – رئيس تحرير ايزدينا

عندما تتراجع الدول المعنية عن مسؤولياتها تجاه القيم الإنسانية التي تحفظ أبناء الأقليات الدينية في المنطقة من خطر الإبادات الجماعية، يبدأ ضعاف النفوس باستغلال هذه الفجوة عبرّ إعادة تدوير آلة التطرف من خلال مساعدة التنظيمات الإرهابية بالتسويق لتجارتها بالبشر، فتكون الأقليات الدينية هي وجهة هؤلاء السماسرة من أجل التفاوض على مبلغ من المال في سبيل إعادة فتاة كانت قد اختطفها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" دون وجه حق، وهذا ما يحدث كل يوم في العراق وسوريا.

هذا الأسلوب في المقايضة تعمل عليها شريحة غالبًا ما تكون مقربة من تنظيم داعش، تتخذ من مأساة الإيزيديين مصدر رزق لها، هذه المأساة التي أوقعت آلاف النساء كـ "سبايا" لدى التنظيم المتطرف.

وتؤمن تلك الشريحة بأن ما تقوم به له منحيان أحدهما "إنساني" كما تُقنع نفسها به، والآخر ربحي انطلاقًا من شرعية التجارة وتبادل البضائع والسلع بالبيع والشراء حتى لو كانت السلعة مجموعة من البشر الأبرياء.

ما كانت لهذه الأفكار أن تنتشر بين أفراد هذه المجتمعات لو أن حكومات الدول المعنية التزمت بحق المواطنة الذي يضمن للجميع تساويًا في الحقوق، انطلاقًا من أن التمييز العرقي والديني مرفوض في دولة المواطنة التي تؤكد أن الشرعية هي للمبادئ العالمية لحقوق الإنسان وحدها، بعيدًا عن انتماءات الفرد الدينية والعرقية.

على الخط الموازي لهؤلاء الأفراد المتورطين مع تنظيم داعش، هناك الكثيرون ممن يرفضون التأثر بأفكار التنظيم أو التعامل معه، ويذهبون إلى أبعد من ذلك حين يتحملون جزءًا من المسؤولية الإنسانية انطلاقًا من أن "الله لا يقبل بالظلم، وعلى عباده رفع الغبن عن بقية المستضعفين"، بهذه العبارة عللّ ليّ المحامي عمر علي عن أسباب مخاطرته بحياته وحياة أسرته كي ينقذوا فتاة إيزيدية كانت تستعبد جنسيًا لدى داعش في مدينة الرقة منتصف شهر تموز عام 2015.

هذه العائلة التي تعد نموذجًا للفكر الإنساني الرافض لأشكال التطرف، تنتمي إلى أسرة كردية مسلمة، كانت تعيش في مدينة الرقة حين جاءتها الفتاة الإيزيدية هيام بكر ذات السابعة عشر عاماً برفقة طفلها الذي كانت حاملًا به في شهرها الخامس عندما استعبدها جنسيًا تنظيم داعش أثناء سيطرته على شنكال في آب 2014، وبعد ذلك جلب أفراد التنظيم الآلاف من النساء الإيزيديات إلى مناطق سيطرته في المدن العراقية والسورية، فانتهى الأمر بالفتاة في مدينة الرقة السورية وهناك استطاعت أن تتعرف على هذه العائلة.

حاولت هذه الأسرة المسلمة مرارًا تهريب الفتاة مع طفلها الذي لم يكن قد بلغ السنة الأولى من عمره، إلى مناطق السيطرة الكردية في الشمال السوري، إلا أن التشديد الأمني المكثف لتنظيم داعش حال إلى فشل المحاولات، فاشتد الخناق على العائلة أكثر حين أصدر داعش قرارًا منع بموجبه خروج النساء من الرقة دون الحصول على موافقة من الحسبة، وهي هيئة دينية خاصة بالنساء تقوم بالرقابة الدينية، وهنا أصبح الخطر يقترب من العائلة مع مرور الوقت خوفًا من أن يكتشف التنظيم أمرها في ظل عدم إتقان الفتاة الإيزيدية للغة العربية.

فما كانت من هذه الأسرة إلا أن تستعين بمساعدة من أسرة صديقة لها، لديها ابنٌ يعمل كسائق لنقل المواشي بين المدن، فقام السائق بوضع الفتاة الإيزيدية إلى جانبه وجلست إلى جانبها والدة الشاب، وكانت والدته من أصول عربية، وكانت الوجهة إلى سري كانيه/ رأس العين، نحو الشمال الشرقي عبر القرى التي لا يمكن لحواجز التنظيم أن تتواجد فيها، وفي حال تعرضهم لحواجز التنظيم فكانت الخطة تقتضي "أن تتحدث والدة السائق لعناصر التنظيم إن جاؤوا إليها من النافذة اليمينية للسيارة، ومن النافذة اليسارية يتلقاهم بالرد على أسئلة عناصر التنظيم السائق نفسه، كي لا يفسح المجال لأفراد التنظيم بالتحدث إلى الفتاة الإيزيدية لأنها لا تتقن العربية، أما الحجة التي اتفقت العائلة عليها لإقناع حواجز التنظيم بها فكانت أن العائلة تريد جمع أصواف المواشي من هذه القرى لأن لديهم عرس زواج لأحد أفرادها، وهذه العادة منتشرة في هذه المناطق".

استطاعت العائلة اجتياز جميع القرى ولم تتعرض إلى حواجز التنظيم لحسن حظها، وتم تسليم الفتاة إلى إحدى العوائل الكردية ومن ثم تسليمها إلى القوات الكردية التي بدورها نقلت الفتاة إلى زوجها داخل مخيمات الإيزيديين جنوبي دهوك، أما المحامي عمر علي وعائلته فتركا لاحقًا منزلهما في الرقة وهربا إلى المناطق الشمالية بعد أن تلقى أنباءً تفيد بأن التنظيم تلقى وشاية بأن العائلة تمتلك فتاة إيزيدية.

هنالك العديد من المواقف الإنسانية الهامة التي أقدم عليها أفراد يؤمنون بثقافة حقوق الإنسان ويرفضون الظلم، وما فعله المحامي عمر علي مع أسرته، حيث تجمعني به زمالة في إحدى المؤسسات الحقوقية، هي حالة تتشابه مع مواقف أخرى نسمعها بين الحين والآخر لأشخاص يخاطرون بحياتهم في سبيل إنقاذ المختطفات الإيزيديات، وقد لا تكون الأخيرة قصة الشاب السوري محمد ذو السادسة والعشرين عاماً الذي انتهى به الحال نحرًا على يد أمير داعشي تونسي الجنسية بعد أن اكتشف أمره التنظيم وهو يحاول تهريب أربعة فتيات إيزيديات من شنكال/سنجار، كنّ ضحية الاستعباد الجنسي لدى داعش في منطقة الباب في الشمال السوري.

قام محمد بشراء الفتيات الأربعة من التنظيم في الفترة الواقعة بين شهر أيلول وتشرين الأول عام 2015، وأراد سرًا تحرير الفتيات بالتنسيق مع مؤسسة التآخي لحقوق الإنسان حيث كان عضوًا فيها، ومكثت الفتيات في منزله برفقة زوجته الحامل لقرابة شهر، إلى أن توجه إلى تركيا برفقة الفتيات الإيزيديات، إلا أنه وقع ضحية وشاية، فسبقه عملاء "داعش" إلى حاجز بلدة قباسين التابعة لمنطقة الباب، حيث اعتقل هناك وقاموا بنحره مباشرة.

استشهد محمد في سبيل إنقاذ أربعة فتيات إيزيديات، وولد محمدٌ آخر من هذا الشاب الشجاع وسمته زوجته على اسمه كي يفتخر بما فعل أباه، أما النساء الأربعة أعادهم التنظيم إلى زريبته اللاإنسانية عبرّ بيعهنّ مجددًا في أسواق النخاسة وهنّ على أمل أن يصادفنّ رجلًا آخرًا يؤمن بأن الإنسان له حرمته التي لا يجوز المساس بها.

هؤلاء المنقذين لأرواح الإيزيديين يشاطرهم كثيرون ممن تخلوا عن الحياة الاجتماعية الهادئة وأرادوا الخوض في معارك يكون الخصم فيها تنظيمٌ متطرف تلذذ في قتل المدنيين بأبشع الوسائل الإجرامية، فكانت الوجهة لدى الأبطال المنقذين هي الاقتراب من معاقل التنظيم الإرهابي في كل من سوريا والعراق، وشهد المجتمع الإيزيدي العشرات ممن تفرغوا للوقوف إلى جانب الضحايا، ومنهم أبو شجاع الدنايي الذي يتنقل بين سوريا والعراق آخذًا على عاتقه مهمة تحرير المئات من النساء دون أي مقابل، وغيره الكثير ممن يعملون في ذات المنحى ومنهم ما هو مكلف من قبل حكومة إقليم كردستان التي دعمت مكتب شؤون المختطفين والذي بدوره حرر المئات من الإيزيديين المختطفين لدى داعش.

يمكن أن تكون الخلاصة لما سبق بأن الظاهرة السياسية التي أنتجت التنظيمات المتطرفة في كل من سوريا والعراق، وقف في وجهها على الخط الموازي لها أفكارًا نيرة حملها أفرادٌ يؤمنون بالسلم الأهلي وبالتعددية الدينية التي تشبه الفسيفساء في تنوعها وتكاملها إلى جانب بعضها البعض، وهؤلاء الإنسانيون الذين خاطروا بحياتهم في سبيل الارتقاء بالمجتمعات نحو الأفضل، هم مهمشون على صفحات لا تقرأها السلطات السياسية التي همشت الأقليات وأساءت إلى المجتمعات المحلية عبر سياساتها الإقصائية بحق الأقليات والاستبدادية بحق الجميع.

لا بد من قوانين دولية تحفظ كرامة الإنسان بشكل فاعل أكثر وتحميه من مآلات الإبادة الجماعية الإيزيدية التي خلفت أكثر من 2500 يتيم وما يزيد عن ثلاثة آلاف مختطفًا إيزيديًا مازال مصيرهم مجهولًا لدى داعش، حيث أن معظمهم من النساء والأطفال الذين يتم استعبادهم جنسيًا، ناهيك عن استشهاد 1300 مدني/ة، فضلًا عن اكتشاف الإيزيديين لجثث موتاهم ممن تم دفنهم في مقابر جماعية تجاوزت أعدادها الـ 43 مقبرة جماعية ارتكبتها داعش، حيث أن الأرقام السابقة صدرت في آخر إحصائية للمديرية العامة لشؤون الإيزيدية في وزارة أوقاف حكومة إقليم كردستان.

على المجتمع الدولي أن يتجه لصياغة قوانين ملزمة تتشابه في صياغتها ما عملت عليه الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصدرت عدة اتفاقيات دولية تهدف إلى تعزيز حماية الإنسان من مخاطر الإبادة الجماعية ومنها اتفاقية الاتجار بالبشر ولاحقًا قانون معاداة السامية التي أقرته الولايات المتحدة الأمريكية، والقانون إذا تمت صياغة مثيل له تحت اسم قانون معاداة الإيزيدية سيتيح للإيزيديين فرصة البقاء على أرضهم التاريخية في كل من سوريا والعراق وتركيا وملاحقة الذين يسيئون عن تعمد إلى الإيزيديين ويصفونهم على أنهم كفار لا يعبدون الله، حيث أن داعش استغل هذه الصورة النمطية وقتل الإيزيديين تحت هذه الحجة المزعومة.

الصورة للإيزيدية هيام بكر وعلى يسارها المحامي عمر علي الذي أنقذها وإلى جانبه زوجها
التسميات:

إرسال تعليق

ezdina

{picture#https://plus.google.com/u/0/104569944093799629657} YOUR_PROFILE_DESCRIPTION {facebook#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {twitter#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {google#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {pinterest#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {youtube#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {instagram#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL}

Image 1 Title

Image 1 Title

Image 2 Title

Image 2 Title

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.